فخر الدين الرازي

23

تفسير الرازي

وأما قوله : * ( وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له ) * فقد احتج أصحابنا به على أن العبد غير مستقل في الفعل . قالوا : وذلك لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه تعالى يحكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ، فلو كان العبد مستقلاً بتحصيل الإيمان لكان قادراً على رد ما أراده الله تعالى ، وحينئذ يبطل قوله : * ( وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له ) * فثبت أن الآية السابقة وإن أشعرت بمذهبهم ، إلا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا . قال الضحاك عن ابن عباس : لم تغن المعقبات شيئاً ، وقال عطاء عنه : لا راد لعذابي ولا ناقض لحكمي : * ( وما لهم من دونه من وال ) * أي ليس لهم من دون الله من يتولاهم ، ويمنع قضاء الله عنهم ، والمعنى : ما لهم والٍ يلي أمرهم ، ويمنع العذاب عنهم . * ( هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلْائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِى اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) * اعلم أنه تعالى لما خوف العباد بإنزال ما لا مرد له أتبعه بذكر هذه الآيات وهي مشتملة على أمور ثلاثة ، وذلك لأنها دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته ، وأنها تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه ، وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه . واعلم أنه تعالى ذكر ههنا أموراً أربعة . الأول : البرق وهو قوله تعالى : * ( يريكم البرق خوفاً وطمعاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " في انتصاب قوله : * ( خوفاً وطمعاً ) * وجوه . الأول : لا يصح أن يكونا مفعولاً لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع أو على معنى إخافة وإطماعاً . الثاني : يجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير : ذا خوف وذا طمع أو على معنى إيخافاً وإطماعاً . الثالث : أن يكونا حالاً من المخاطبين أي خائفين وطامعين .